مدينة تورين، عاصمةً رسميةً ، واسمها مشتق من اسم المملكة “تورينزا”، ومقرًّا لسيادة الحكم، وموضعَ اجتماع السلطات الثلاث: الملكية، والتنفيذية، والمعرفية. تم بناء أبراج في جميع مدن المملكة، جميع الأبراج تحتوي على حافظات ذكاء اصطناعي كوكبي شعاعية، مخصصة فقط لحفظ ذكريات مواطنين المملكة، ذكريات بشرية مُستسلمة، و قادرة على التنبؤ بالسلوك بدقة شبه تامة. تخزين ذكرى شخصية تُودَع في أرشيف كل مواطن. ويستطيع كل مواطن أن يولج إلى أرشيفه الخاص من خلال بصمة العين.
تُعدّ الذكريات المودَعة ملكًا رمزيًا للمملكة، و بوصفها مصدرًا للسيادة في مملكة تورينزا . لا تُستعمل للإدانة ولا للمكافأة، بل لحفظ الاستمرارية، وهيبة الذاكرة، ويُمنع تحويلها إلى سلعة أو أداة عقاب. ورغم تقدمها التكنولوجي، إلا إن المملكة تعاني من وضع اقتصادي صعب. والحل الوحيد، كما هي العادة، فرض ضرائب على المواطنين.
**
قانون ضريبة الذاكرة
مع بداية عام 2075 ألقى ملك تويرنزا، من قصره العظيم في العاصمة تورين، خطابا إلى التويرنزانيين، جاء فيه: باسم الزمن حين كان يتكلّم، وباسم العهد الذي تُصان فيه الكلمة قبل ذبذبات أشعة الليزر ، وباسم الذاكرة التي تحفظ ما اندثر وتُجلِّل ما بقي.
احبائي أبناء تورينزا الكرام: إذ نلتفت إلى بداياتٍ ضاعت أسماؤها وبقي أثرها، ونستحضر ما توارثته الألسن من قيام المدينة الأولى عند ملتقى الطرق والرياح، حيث شُيِّدت تورين حجرًا فوق حجر، وقَسَمًا فوق قَسَم.
وفاءً لما سلف، وحفظًا لما هو آتٍ، ليكون مرجعًا إذا اختلف الرأي، وملاذًا إذا اضطرب الزمان، وعهدًا يُتلى على من يلي الحكم كما يُتلى على من يُسأل عنه. نُعلن هذا القانون ” قانون ضريبة الذاكرة”. تُفرض الضريبة، لا لتثقيل الرعايا، بل لتذكير السلطة بأن سيادتها قائمة على ما يُتذكَّر لا على ما يُنسى. ويُعفى من الأداء من لا ذاكرة له إلا ما فُرض عليه نسيانه.
ضريبةً رمزية على الذكريات، ذات بُعد فلسفي، تُوازن بين السلطة والذاكرة، وتُكرّس المعرفة والأثر الإنساني موردًا سياديًا لا يُختزل في المال. تُعدّ موردًا من موارد السيادة، وعلامةً على اشتراك الرعايا في حفظ الذاكرة العامة للمملكة، من أجل مستقبل زاهر، وحياة أفضل، ورفاهية تنعمون بها يا سكان مملكة تورينزا العظيمة.
**
خطاب احتفظ بجلال اللغة، وبنبرةٍ تُوحي بأن المملكة أقدم من كُتّابها، وأبقى من حُكّامها. يُسمح للمواطن بحفظ ذاكرته حتى يبلغ من العمر 40، بعد ذلك سيتم تخزينها في الأرشيف الخاص به. وعند رغبته في استعادة جزءا من ذكرياته عليه دفع ضريبة الذاكرة.
الفصل الثاني
دخلَ رجل مسن قاعة الأرشيف عند انكسار الضوء، حين تكون الظلال أطول من أصحابها. لم يكن يحمل شيئًا في يده؛ فهنا، كما قيل له، لا تُوزَن الأشياء بما تُمسكه الأصابع.
جلس أمام مدير قسم الأرشيف الناسخ، شيخٍ نحيلٍ بعينين تعرفان الإصغاء أكثر مما تعرفان السؤال. أشار إليه أن يتكلّم.
قال الرجل بعد صمتٍ قصير: اسمي هارون راشد، وعمري 42 عاما.
قال مدير القسم: ولكن يبدو يا سيد هارون بأنك أكبر من هذا العمر.
وأجاب: كلامك صحيح، أنا لم أحتسب 40 عاما من ذاكرتي التي قمتم بتخزينها، أريد استعادتها.وبدون حسابها، يكون عمري الزمني 82 عاما.
وقال المدير: بموجب القانون أصبحت ذاكرتك ملكا لمملكة تورينزا. اذا ترغب برؤية شريط من ذاكرتك، عليك أن تدفع مئة دينار تورينزي مقابل كل ساعة مشاهدة.
توقّف، كأن الكلمات تطلب إذنًا من زمنٍ أقدم، وقال: ولكن شريط الذاكرة الذي أريد أن أشاهده ليس لوحدي أنا. أريد أن أرى عن صباحٍ بعيد، عن معلم بالمدرسة علّمنا أسماء الرياح قبل أن يعلّمنا أسماء الملوك. أريد أن أرى الطريقٍ الحجريٍّ الذي قادنا إلى تورين، حيث فهت أن المدن تُبنى مرتين: مرةً بالحجر، ومرةً بما يُحفظ عنها في القلوب.
لم يقاطعه المدير. كان يكتب ببطء، كمن يخشى أن يجرح الذاكرة إن أسرع.
وقال: يُمنح كل إنسان عددًا محددًا من السنوات التي يتذكرها. وللحصول على المزيد من الوقت، يجب على الناس التخلي عن ذكرياتهم ، وطفولتهم، وحبهم، وأحزانهم . جميعا تُخزن في أرشيف كوكبي وتُستخدم لتدريب أنظمة ذكاء اصطناعي تنبؤية تُدير مستقبل المجتمع، وأردف: ولكن، عليك أن تؤدي ضريبة الذاكرة.
وأجابه: لقد قلت لك بأن هذه الذاكرة لا تخصني وحدي، وأنا رجل متقاعد، وبالكاد راتب الضمان الإجتماعي يكفي كفاف يومي.
ورد المدير: لقد سمعت ذلك، مشاهدة شريط الذكريات ليس محصورا بشخص واحد، يمكنك دعوة من تشاء لمشاهدته معك. ودون أن يلتفت إلى السيد ، طوى الورقة، وختمها بختمٍ بلا اسم.
نهض السيد هارون أخفَّ مما دخل. في الخارج، كانت المدينة على حالها، لكن شيئًا منها بقي له، وشيئًا منه أصبح ملكا للمملكة.
**
الفصل الثالث
في أحد الأيام، دخل رجل قاعة الأرشيف، وفي وقت ظهيرةٍ صافية، في ضوءٍ متردّد، كأنّه أراد أن تُرى خطوته بلا التواء. سعد الأحمر، كان يحمل كتابا مطويًّا، يحتوي على مذكراته، محفوظا بشنطة من الجلد الأحمر الفاخر. أعاد إدخاله في ردائه قبل أن يدخل مكتب إلى مكتب المدير.
قال المدير: بماذا أستطيع أن أخدمك؟ كما تعلم، ويعلم الجميع بأننا في خدمة مواطنين المملكة، و شعارنا” المواطن أغلى ما نملك”!.
وأجاب سعد الأحمر: لم آتِ لطلب رؤية سويعات من شريط الذاكرة، جئت أطلب حقّ النسيان.
رفع المدير رأسه هذه المرّة. كان هذا الطلب غريبا، هذه المرّة الأولى يأتيه شخص بمثل هذا الطلب الغريب! و أشار إليه أن يتابع.
تابع سعد الأحمر ، قائلا: ثمّة ذكرى أُودِعت هنا في هذه المذكرات، لكنها لم تعد تحتمل وزنها. أديتُها يومًا وفاءً، وصارت اليوم عبئًا لا يُصلح حاضرًا ولا يحفظ عهدًا. سكت قليلًا، ثم أضاف: أطلب حق النسيان، لا لأنني أنكر ما كان، بل لأنني لم أعد أقدر على حمله وحدي. خضت عدة معارك من أجل الوطن، وبكل بكل بسالة، أريد النسيان، بوجود مذكراتي، فأنتم لم تمحوا شيئا من ذاكرتي. لا أريد أن أتذكر جثث الشهداء، ودماء الجرحى تنزف، وصراخ الجنود المصابين من الألم. لهذا أطلب حق النسيان.
فتح االمدير سجلًّا مختلفًا، صفحاته أقلّ، وهوامشه أوسع. سأل سؤالًا واحدًا فقط: هل في محوها ضررٌ على غيرك؟
هزّ اسعد رأسه نفيًا.
أغلق المدير السجلّ، وختمه بختمٍ رماديٍّ لا يُستعمل إلا نادرًا. قال بهدوء: ” يرد حمل بضاعتك إليك وحدك، وتُعفى المملكة من حمله”.
خرج الرجل أبطأ مما دخل. لم يشعر بالخفة هذه المرّة، بل بالفراغ. لكنه كان فراغًا نظيفًا، يصلح لأن يُبنى فيه شيءٌ آخر.
**
الفصل الرابع
جاء رجل إلى مكتب ، رث الثياب، وأشعث الشعر، وبان أصبع قدمه الأيمن بارزا، من خلال فتحة الحذاء، كأنه رأس أفعى، ومعه بنت صغيرة. باختصار، أندبوري بدرجة امتياز.
سأله المدير دون اهتمام، وبلا مبالاة: ماذا تريد!.
وأجاب: لقد تخلّوا عني هنا في وطني، تركوني للجوع والمطر والبعوض الذي يحمله النهر المتدفق، سأموت من نزفي وحيدا، وغريقًا، وجائعًا، وبائسا.
سألتُ نفسي: لماذا تخلّوا عني؟ لم أستطع إلا أن أجيب: إنهم يخافونني. وعندما سألتُ نفسي: لماذا يخافونني؟ أجبتُ مجددًا: لقد جلبتُ لهم سوء الحظ، قتلتُ والدهم بذاكرته الطويلة، وتركتهم بلا ذكريات، والآن سيصبحون أطفالًا، لا بل، مجرد حيوانات صغيرة بلا هدى في حياتهم. بسببي فقدوا ما كانوا سيحصلون من ذكرى. لقد تركوني متروكًا بين ثرواتهم الفارغة، لقد فروا بأنفسهم، لقد تخلّوا عني.
وقال المدير: ماذا تريد بالضبط ، أيها العجوزالفيلسوف المتشرد!
وأجاب: أريد أن أشتري ذاكرتي، وأعيد اليهم ذاكرة والدهم التي سرقتها.
طلب المدير أن يدفع ضريبة الذاكرة مسبقا، قبل البدء بأية اجراءات أخرى.
وأجاب: لا أملك شَرْوَى نَقِيرٍ ، وكما ترى، ابنتي الصغيرة معي، نجوب الطرقات، أنا أضرب الطبل وهي ترقص، وننفق على أنفسنا بما يجود به الخيّرون..
وقال المدير: تذهب ضريبة الذاكرة إلى خزينة مملكة تورينزا، لا شيء يدخل جيبي، يجب أن تدفع.
وسأل العجوز الفيلسوف: هل يوجد هناك طريقة ما، لمساعدتي في هذا الأمر.
أجل، يسمح القانون للفقراء بأن يبيعوا ذاكرتهم بالتجزئة للأغنياء. ينسى الفقراء كيف يعيشون. نعم، يتذكر الأغنياء كل شيء، لأنهم يستطيعوا أن يشتروا امتدادات للذاكرتهم من الفقراء.
الفصل الخامس
يبلغ خالد الفرات من العمر ثمانية وستين عاما. في يوم ميلاده الثاني والأربعين في الذاكرة، أخبرت المدينةُ ، أنه أوشك أن ينفد ماضيه. لم يصل الإخطارُ على هيئة رسالة، ولا بصوتٍ بشريّ، بل انبثق مباشرةً على سطح بصره الداخليّ، وهو يعبر ساحة الذاكرة: إشعار مدني، لقد تجاوزتَ الحدّ المعرفيّ المسموح به. يُرجى الامتثال خلال اثنتين وسبعين ساعة.
أمضى خالد عمرًا في تحليل الأنظمة الحضريّة في برج الأرشيف، و تحديدا مدير قسم إشارات التنبّؤ المستقبلي، حين كانت المدينة لا تزال تعتمد على الإشراف البشري. هادئ، دقيق الملاحظة، متحفظ عاطفيًا. كان من أول عشرة أشخاص طوعيا خضعوا لإستخلاص الذاكرة. و كان إستخلاص الذاكرة دقيقًا، شعر بالغياب، لا بالحضور، وأصبح كجرحٍ يرفض الشفاء أو الإنغلاق. تذكّر زمناً كانت فيه ضريبة الذاكرة طوعيّة. والآن سُمّيت تبرّعًا، ووُصفت بالواجب الوطنيّ:” شارك ماضيك، لنؤمّن لك مستقبلك”. أمّا الآن، أصبح شرطًا للبقاء.
ترتفع قمة برج الأرشيف، شامخة تطلّ فوق ساحة مركز االعاصمة، تورين، و سطحها العاكس يبتلع السماء. يرى خالد برج الأرشيف، كلّ يومٍ تقريبًا، لكنّه بدأ اليوم أقرب، أثقل، كأن النقص الذي طرأ في داخله غيّر هندسة المدينة. في الطرف الآخر من الساحة، أضواء المرور تتقلّب بلا يقين. طائرة نقلٍ عامّ تحوم ثم تنحرف، تصحّح مسارًا بُني على توقّعٍ لم يعد صالحًا.
**
وقف في الطابق السابع عشر، من البرج، كانت المدينةُ من أسفله تتحرّك بانضباطٍ أعمى. أناسٌ يمشون بوجوهٍ شاردة، يستعرضون ذكرياتٍ مُنتقاة، وهي تتشكل في نظام بلوري: عطلاتٌ مُشترَاة، حبٌّ منزوع الألم، حزنٌ جرى تهذيبه حتى صار صالحًا للعرض. طفولة مضغوطة في ضوء، حروب مختزلة إلى أنماط، وحياة كاملة مجردة من التسلسل الزمني ومغذية لمنطق التنبؤ الذي لا يشبع. لم يكن النظام يكترث لمن تعود هذه الذكريات. كل ما كان يهمه هو الربط بينها.
إبرةً من زجاج وبيانات، تُخزَّن فيها بقايا أعمار البشر. كان خالد يراها كل يوم لعقود ، غير أنّه شعر اليوم بوطأته كما يُشعَر بالجاذبية ( لا تُرى، ولا مهرب منها). لكنها الآن بدت أقرب وأثقل، كما لو أن النقص الذي بداخله قد غيّر هندسة المدينة، وهندسة الجاذبية. وللمرّة الأولى، خطر له، لا كخوف، بل كصفاءٍ نفسي، أن يقوم بإستخلاص سجلّه الداخليّ، ذاك الذي احتفظ به حين كان الاحتفاظ مسموحًا.
خرج السيد خالد فرات إلى ساحة الذاكرة بخطواتٍ حذِرة، كمن يشكّ في صلابة أجزائه، غير متأكد من أي أجزاء من نفسه لا تزال سليمة. دخل إلى مكتب ضريبة الذاكرة. الجدرانُ عاريةٌ عمدًا، لا شيء يَعلَق بالذاكرة، لا شيء يصلح لأن يكون مرساة
سأل مدير المكتب خالد، بكل لطف: كم ساعة تريد أن تشتري من ذاكرتك؟! تكاليف كل ساعة مئة دينار تورينزي. أعرف يا خالد بأنك زميل لنا، واعتذر بأنني لا أستطيع منحك أي خصم، كما تعلم ضريبة الذاكرة تذهب إلى خزينة المملكة.
قال خالد بهدوء: أريد أن أعرف، ماذا يحدث للذكريات بعد أن نشتريها، ونشاهدها؟.
توقفت المدير للحظة، كافية لكشف الحقيقة ، قال: إنها تُستخدم للتنبؤ بمستقبل أفضل لكم.
وسأل خالد: هل أستطيع أن أرى مستقبلي، كما أرى ذكرياتي؟!
وأجب المدير: بامكانك أن تسأل هذا السؤال إلى التقنيّةُ الأولى ، مريم الكامل.
**
دفع ضريبة الذاكرة، وتوجه إلى مكتب الإستخلاص. قادته التقنيّةُ إلى المقعد بابتسامةٍ متمرّسة، وطلبت منه الجلوس بهدوء على الكرسي بلطف مهني. جلس عل الكرسي المخصص لإستخلاص الذاكرة. لامست الآلة صدغه، ألمٌ خاطفٌ ودقيق ، ثم ساد الصمت. ابتسمت لتقنيّةُ الأولى بلطف بينما كان الجهاز يُصدر صوتًا خفيفًا. وسألته بلطف مبالغ به: عن ماذا ستشاهد اليوم، أيها الزميل العزيز؟.
وأجاب جالد: سنة واحدة مضغوطة !.
وسرعان ما تم تعريف جميع المعلومات المطلوبة ، دون أخطاء. ظهر إشعار على الشاشة: اكتملت المعلومات المطلوبة، و تمّت موازنة الحمل المعرفيّ.
راقب خالد مؤشر الذاكرة وهو يومض ، 42 سنة متبقية من الذكريات. لقد باع بالفعل ضحكة أمه، وأول خيبة أمل في قلبه، ورائحة المطر على الشوارع الحجرية التي لم تعد موجودة. هذا العام، اختار بعناية، عام عادي، و لا شيء مميز. اشتغل الجهاز، تساءل خالد ، ليس للمرة الأولى ،عما إذا كان الماضي قد يتذكره بالفعل، حتى وإن كان على وشك نسيان نفسه. ارتجفت الأرض تحت قدميه، شعر بضغطٌ خلف العينين، دوارٌ خفيف يرافق عادةً إعادة المعايرة. انتظر الأعراض المعتادة: ارتباكٌ خفيف، وتشوش طفيف، و فتور عاطفيّ، وإحساسٌ بأن الزمن قُلِّم كما تقَلَّم الأشجار. لكنّ ما حدث كان نقيض ذلك، قاومه شيء ما، ضغطٌ معاكس. ومع ذلك، بدأت منحنيات احتمالية التنبؤ حول الموضوع بالتشوش، لم يكن من المفترض أن يحدث ذلك. كان استخلاص الذاكرة دقيقًا. أشبه بعملية جراحية. شعر بالغياب، لا بالحضور. مهما كان هذا، فقد كان كجرحٍ يرفض الالتئام.
**
اطلعت التقنيّةُ الأولى، مريم الكامل، على سجل الاستخراج ، والذي يعود لخالد ( نظيف، و مصرح به، ولا أثر للفساد).
أوّل ما شعر به خالد بعد الاستخلاص كان الهدؤ. لا هدؤ المدينة، فلم يكن هناك هدؤا كهذا ، بل فراغٌ داخليّ، كأن غرفةً في عقله أُخليت بسرعة كبيرة على عجل، ولم يستقرّ الهواء فيها بعد. أظهر الخطّ الزمنيّ طرحًا نظيفًا: سنةٌ كاملة أُزيلت، أُرشِفت، وفُهرِست. لا فساد، لا خلل. خالد في عمق ذلك الشيء، إن بقي شيء، أو لعلّ شيئًا تم تسريبه. شيءٌ ما في المنبع يضخّ بياناتٍ متناقضة.
شاهد عدة أشرطة ذكريات لأشخاص لا يعرفهم، ولا يذكر بأنه قابلهم، تنساب أمامه على الشاشة، وهي تنطوي في انتظامٍ بلّوريّ. شعر بضيقٍ في صدره غير مألوف. طفولاتٌ مضغوطة في ضوء، حروبٌ مختزلة إلى أنماط، أعمارٌ كاملة منزوعة التسلسل تُغذّي نَهَم المتنبّئ. رجلٌ يضحك لذكرى لا يعرفها أحد سواه. تجمّع الناس حوله، منزعجين لكنهم معتادون على هذه المقاطعات. ضحك رجلٌ بجانبه على شيءٍ لا يتذكره سواه. تدربت طفلة على استرجاع ذكرى عيد ميلادٍ اشترتها، تتحرك شفتاها بصمتٍ وهي تعيدها مرارًا وتكرارًا، خائفةً من أن تتلاشى. لم تكن هذه الذكرى مفهرسة. بياناتها ترفض الاصطفاف، لا زمن، ولا منشأ، ولا أسم مالك لها.
**
كانت هناك سنواتٌ يمكن الاستغناء عنها، أيامٌ باهتة، أعمالٌ روتينيّة. لكنّ شريط الذاكرة أظهر له صورةً ظلّت عصيّة على المحو من ذاكرته. .. ولأول مرة، طفت الفكرة على السطح، ليس كخوف، بل كوضوح رهيب: أنا هو، اسمي خالد فرات. اليوم بعتُ عامًا من عمري. ارتفع منسوب المياه على الشاطئ الرمادي مجدداً، ريحٌ مالحة ورائحة ملح وحديد وأصبح أقوى هذه المرة. امرأةٌ واقفة على شاطئ البحر، التفتت نحوه تنادي اسمه بإلحاح، وكانت خائفة وكأنها تحذره، من شيء ما!.
تكلم بعصبية ، مع التقنيّةُ مريم، لم يستطع السيطرة عليها: هذا الشريط ليس من ذاكرتي أبدا، أحدكم قام بتسريبه إلى شريط ذاكرتي.
سألته التقنيّةُ، مريم الكامل: خالد؟ هل أنت بخير؟.
قال خالد، وهويترنّح ويصرخ ببطء: تلك الذكرى لم تأخذوها من ذاكرتي. صورة الشاطئ ، المرأة، الإلحاح ، بقيت تحوم على حافة الوعي، رافضة التلاشي.
عبست التقنيّةُ ونظرت إلى الشاشة، وأجابت: لقد أخذنا بالضبط ما أذنتَ لنا به.
ورد ببطىء: لا، هذه الذاكرة ليست لي. ثم قال بصوتٍ حاد: أريد أن أعرف :ماذا تفعلون بالذكريات التي تأخذونها.؟!
تساءل خالد: هل المستقبل قد تذكّرني سلفًا، حتى وإن كنت على وشك أن أنسى نفسي؟!
لم يكن من المفترض أن يعرف برج الأرشيف معنى التردّد عند المدراء والتقنيين، كانت مريم الكامل تعلم ذلك أكثر من أيّ أحد. لم يكن النظام يهتمّ بمن تعود إليه الذكريات، بل بما تربطه من علاقات.
**
توهّج تقرير الشذوذ في مجال رؤيتها على شاشتها، بقايا غير محلولة.
المصدر: استخلاص مدنيّ.
المعنيّ: خالد الفرات.
أغلقت مريم التقرير. ثم، بعد لحظة، أعادته. تعلّمت باكرًا ثمن تجاهل الحدس. ولهذا اختارت هذا العمل، أو لعلّه اختارها.
فتحت سجلّ الاستخلاص: نظيف، مُجاز، بلا فساد.
لكنّ منحنيات الاحتمال حول الشخص بدأت تَضطرب. وذلك، وفق كلّ ما تعرفه، مستحيل هذا أن يحدث!.
ذهبت إلى مديرها، وأخبرته بما حدث. قال لها : إن الذاكرة ليست تخزينًا، بل وزنًا. لم تكن التنبؤات مجرد توقعات للمستقبل، بل كانت تُغير مساره، مستخدمةً كتلة مليارات الخيارات المُتذكرة للقضاء على حالة عدم اليقين. انزع الوزن فيطفو المستقبل.أضِف المستحيل، فيتمزّق.
أغمضت مريم عينيها. كانت هناك حكايات، و همسات تُهمس بين كبار الأرشيفيّين ، عن أناس تذكروا ما لم يحدث بعد ، ومدفونة تحت طبقات من النسيان القسري. حكايات عن ُزعزعةً استقرار التنبؤ، و يتسرّب إلى الوراء ويُربك المتنبّئ. كانوا يُسمّونها الشذوذات (الأشخاص الذين يتذكرون ما لم يحدث بعد). وكانوا يُمحَون ما شاءوا حسب أهوائهم ومزاجاتهم. ووضعوها تحت بند نظام “خطأ سببيّ”.
ظل تقرير الشذوذ يحوم في مجال رؤيتها المحيطي، ينبض بإلحاح مكبوت. بعد لحظة، أعادت فتحه. لقد تعلمت منذ زمن بعيد ثمن تجاهل حدسها
**
في تلك الليلة، حلم خالد بأماكن لم يزرها قط، وخيارات لم يتخذها. مع حلول الصباح. لم تمحُ مريم شريط ذاكرته، بل طلبت لقاءه. وصل خالد إلى برج الأرشيف برفقة حراسة. هناك تجلس مريم ، في غرفة بلا مرايا ، تتصفح طبقات الأرشيف الخفية. ابتسمت عندما رأت خالد، ابتسامة لطيفة.
زال التوتر ، مع لمعان ضوء إشعار المعرفة. عاد الحمل المعرفي إلى وضعه الطبيعي.
قالت: لستَ في ورطة يا خالد، وكانت تلك أول كذبة.
تأملها خالد مليًا، وقال: كيف؟
تصلّبت مريم في مكانها، وقالت: لا أعرف.
أجاب خالد: أعلم أنكِ تعرفين ما لا أعرفه، وأراك مترددة ومضطربة من هذه المقابلةِ.
ساد الصمت بينهما. أخبرني بما تتذكره، قالت مريم أخيرًا. أغمض خالد عينيه. قلبي عالمٌ من الرعب. الأقمار، والشموس، والأيام، والنجوم، تحميني . التقويم الحجري، والمد والجزر والعواصف، لا تتخلى عني. تتمسك بي بقوة، ودخان جاف، وصراخ، وبكاء، وأنين، وصمت. كيف سأعرف، في النهاية، هل العالم المحيط بي أم قلبي الذي ينتمي إليّ هو الذي يأوي هذه الضبابات وهذه الشائعات؟ أدخل، عن طريق الرعب، إلى عالم الصمت.
جلس خالد بجانبها أمام الشاشة. ومن خلال بصمة العين تم الولوج إلى الأرشيف. في مكان ما في أعماق الأرشيف، أعادت التنبؤات حساباتها .
أظهر التسلسل الزمني حذفًا تامًا ، عام كامل مُزال، مُؤرشف، مُفهرس. لم يُرصد أي خلل
لقد اختفى شريط الذاكرة. تم رصد بقايا غير محلولة، واستخراج سجل مدني غير معروف المصدر. خالد الفرات، يمتلك ذكريات ليست ذكرياته ، دليل على تسرب الأرشيف، عبر الخطوط الزمنية. فقد تطور مساره من مواطن مطيع إلى فئة الشذوذ ، مزعزع للاستقرار، إلى تهديد متعمد للنظام التنبؤي، تصنفه الدولة بأنه رجل خطر يسعى إلى التهديد المعرفي.
تؤمن مريم بأن الذكريات تحمل في طياتها السببية، لا مجرد التجربة. بادرت مريم بمساعدة خالد، وبتتبّعٍ خاص في كشف ذكريات المستقبل المحظورة، والتي تعتبرها معضلة أخلاقية، هل هي: لحماية البشرية أم لتحريرها من التنبؤات؟!. برج الأرشيف يخزن الذكريات والأحلام والبيانات العاطفية. النسيان أمر طبيعي؛ والتذكر أمر مثير للريبة. تعترف لخالد ، بأن آخرين مثله كانوا موجودين في الماضي ، وتم محوهم.
كان عليه أن يختار: يمحو نفسه ليستقر المجتمع، أو يُعيد جميع الذكريات المخزنة إلى البشرية. تتذكر البشرية الكثير مجددًا ، وعليها أن تتعلم من جديد كيف تختار.
**
عبثًا يا ربي، نفيت نفسي لأدفن أذني في هواء هذه االمدينة. عبثًا انتظرت أصوات الحياة التي شاركتها يومًا مع سكان تورين. لا أقدام على التراب، ولا أيادٍ بين الأعشاب، ولا صرخات أطفال، ولا أغاني شيوخ، ولا أصوات محاربين، ولا نواح نساء. لا شيء، لقد فروا إلى عالم جديد. ظهر خط الشاطئ ، والمياه الرمادية، والمرأة، و النداء، ظلّت معلّقة على حافّة الوعي، ترفض الذوبان.
استنشق الحمل بعمق، وأزال الثقل، و مزق شيئًا مستحيلاً. انجرف المستقبل، وفيضان الذكريات، و فوضى، وألم، وحرية.
**
غادر ساحة البرج مسرعا، وكانت إشارات المرور تومض من الأخضر إلى الأحمر ثم تعود إلى الأخضر، في حيرة من أمرها. توقف خالد عن المشي، وسلك الشوارع الجانبية حيث كانت كثافة المراقبة أقل. تعرفت عليه بنايته السكنية دون تردد، وتم تأكيد هويته بيومتريًا. في الداخل، أحاطت به الجدران المألوفة كأنه حبس أنفاسه. رحب به جميع سكان البناية، وقال زعيمهم: أهلا بك يا خالد بين أهلك. نحن اللذين نرفض الامتثال. نحن “المستعيدون الكاملون”، ولكن حكومة مملكة تورينزا تطلق علينا إسم “العالم السفلي غير القانوني “.