في مدينة كفر البرقع، ثاني أكبر مدينة في مملكة تورينزا ، لم تكن العدالة عمياء، بل كانت مدرَّبة, لم يكن الرجال هم من يُقيمون العدل، بل الكلاب. لا أحد يتذكر متى بدأ ذلك، فقط في شتاءٍ ما، توقف القضاة عن الكلام، وبدأ النباح.
تنعقد محكمة الكلاب في مبنى فخم شُيّد ليكون متحفًا، قبل أن تُصنَّفه الذاكرة خطرًا على الأمن القومي. فالتاريخ، كما تقرّر لاحقًا، لا يُعرض إلا بإذن.
في مملكة الاستقرار الأبدي، تنعقد محكمة الكلاب يوميًا، لأن الخوف لا يأخذ عطلة.
على رأس المحكمة ، كان جلس القاضي الأعلى شهاب بن برق ، كلب ضخم رمادي اللون ، عيناه غائمتان من كبر السن، لكنهما حادتان من الذاكرة. كان يحرس المحاكم في الماضي، وتعلم لغة السلطة والعدل بالاستماع في صمت. الآن، يتدلّى من عنقه طوقًا من الذهب، نياشين العدالة، منقوشًا عليه قوانين لم يكتبها أحد، لكن الجميع يخشاها. وقد طال أمد بعضها حتى صارت جزءًا من الدستور. كان صوته جهوريًا، لا لفرط الحجّة، بل لندرة الصمت.
عن يمينه تجلس السلوقية نزاهة، أنيقة، سريعة ورشيقة ، لا تحبّ الملفات الثقيلة. كانت تؤمن أن العدالة كلّما أسرعت قلّ خطرها. قالت مبتسمة: نحدّث منظومتنا باستمرار. لقد حسّنّا النباح هذا العام، الحق يمضي، والكذب وحده يبقى.
وعن يساره يجلس البلدغ سحاب، ذو الفك العريض والعنيد، حارس التقاليد والمخاطر المحتملة. لم يغيّر وضعه منذ سنوات، لأنه يرى الحركة تنازلًا. كان يؤمن أن الذنب صفة وراثية، وأن البراءة شبهة تحتاج تفسيرًا.
يزمجر قائلًا: إذا سرق أبوك، فإن يديك ستتذكران.
كانت الأحكام سريعة، وتُعلن بكل تهذيب:
*نباح واحد: بريء، مع التمنّي بعدم التكرار.
**نباحان: سوء فهم، يُعالج إداريًا.
***ثلاثة نباحات: ضرورة وطنية مؤسفة.
**
في كل صباح، كان المتهمون يُقتادون إلى الفناء. يقفون مرتجفين بينما تشمّهم الكلاب ، لا تشم ملابسهم، بل نواياهم. هكذا كان يُزعم على الأقل.
يُستدعى المتهمون بلطفٍ محسوب: صحافي، معلّم، شاعر، نقابي، رجال ونساء، تجار وشعراء، ، وأحيانًا حتى أطفال.
كان أول متهم في ذلك اليوم، مواطن خانته نكتة في مجلس خاص.
تبدأ المحاكمة بالسؤال الوحيد الذي يُغني عن الأسئلة كلّها:هل تحبّ الوطن؟
-نعم.
-إلى أي حد؟
-إلى أقصى حد.
-ولمَ ترتجف إذًا؟ قال القاضي الأعلى، وهو يضرب بمطرقته: نحن دولة مؤسسات. يُغلق الملف.
الأدلة غير مطلوبة، والتقارير حاضرة، لكنها سرّية حفاظًا على الروح المعنوية، والطقس، والعلاقات الدولية. الحكم: “نبحتان”.
**
في أحد الأيام، ظهر كلب ضامر يعرج على حافة المحكمة، لا طوق له، ولا نياشين، ولا قريب نافذ. كان فرائه متقطعًا، وذيله يحمل ندوبًا. لم ينبح، بل راقب.عندما سُئل عن اسمه، أجاب بهدوء: أنا الشاهد الصامت.
سأله القاضي الأعلى: ما خطبك أيها الكلب النحيل الأعرج؟!
قال الكلب الصامت: أنا هنا شاهد.
سألت السلوقية مستمتعة بهذا العرض، و باستهزاء: هل الصمت مسجَّل في سجلاتنا! تشهد ضد من؟ ضد المحكمة.
طلب الكلب الصامت الكلام. تردّد القاضي لحظة، فالكاميرات تعمل،ثم قال:
دقيقتان فقط، من باب النزاهة.
قال الكلب الشاهد: تزعمون حماية الوطن، وأنتم تحمونه من مواطنيه.
تستبدلون القانون بالضجيج، والمساءلة بالتصفيق، وتسمّون الخوف استقرارًا.
سادت همهمة بين حشد الكلاب، والتي تجلس في النصف الأيمن من مقاعد قاعة المحكمة. رفعت الكلاب رؤوسها. حبس البشر أنفاسهم، والذين يجلسون في النصف الأيسر من القاعة.
قال الكلب الصامت: تدّعون أنكم تشمّون الحقيقة، لكنكم لا تشمّون إلا الخوف. تدّعون الولاء للعدالة، لكنكم تحرسون السلطة كما كنتم تحرسون حيطان بيوتهم.أريد المحاسبة.
سقطت الكلمات في القاعة كجسم غريب. تجاهلها الكاتب الرسمي.
زمجرالبلدغ سحاب قائلًا: اصمت! أنت تهين القانون.
نهض شهاب بن برق ببطء. للحظة، بدا عليه كبر السن. سأل: وبماذا تريد تستبدلونا ، يا زعيم عصابة الكلاب الضالّة؟.
نظر الكلب الصامت إلى البشر، ثم عاد بنظره إلى القضاة، قال: بات القانون يعضّ دون أن يُصغي. نريد أن نستبدلكم بآذان، دون أسنان.
تنحنح القاضي الأعلى، وقال: نثمّن غيرتك، وسندرس ملاحظاتك
في جلسة مغلقة: تُرفع الجلسة لدراسة الموضوع في جلسة مغلقة. وكان الحكم ، بالإجماع: نباح حتى الصباح.
خرج الكلب الصامت مكرّمًا من باب المحكمة محاطًا بالتهذيب، ولم يُرَ بعدها.وفي المساء، أعلنت النشرات الرسمية ارتفاع منسوب الحرية، والثقة، وأن النباح كان وطنيًا كفاية، حتى يبقى الوطن سالمًا، وأن الاستقرار بخير.
حين تحكم الكلاب، لا تسأل عن العدالة، بل عن الحدّ المسموح لإرتفاع صوت النباح.
في أزقّة مدينة كفر البرقع ، أدرك الناس أن العدالة لم تعد شيئًا يفهمونه، صار الناس يتحدّثون همسًا، لأنهم تعلّموا درسًا بسيطًا: حين يصبح الصمت جريمة، يصير الكلام بطولة.