نهاية رجل نذل

( يهوذا الخلايلة)

[email protected]

كان نذلًا عمليًا؛ من أولئك الذين لا يوسّخون أيديهم، لكنهم يتركون كل ما يلمسونه متسخًا. يكذب بلهجة هادئة، يخون دون أن يرفع صوته، كان نذلًا من النوع الهادئ؛ لا يصرخ، لا يهدد، ولا يرفع يده.
يؤذي بابتسامة، ويكذب بلباقة، ويخون وكأنه يؤدي واجبًا إداريًا. كان يؤمن أن النجاة للأذكى، وأن الأخلاق رفاهية للفاشلين. ويمشي في الحياة وكأنها مرحاض عام: يفرغ ما بداخله ويمضي.

في تلك الليلة، كان يقود سيارته وحده. كان يقود مسرعًا كان مستعجلًا كعادته، كان عائدًا من صفقة نظيفة على الورق، قذرة في الواقع. ترك خلفه أشخاصًا بلا عمل، بلا كرامة، بلا تفسير. يظن أن الطريق خُلق ليمرّ هو أولًا،
وأن الآخرين مجرد عوائق مؤقتة. الطريق شبه فارغ، والراديو يبث أغنية قديمة عن الحب، شيء لم يؤمن به يومًا.

لم ينتبه إلى الشاحنة إلا في اللحظة الأخيرة. صهريج كبير بطيء،  صدىء ذو لون أصفرباهت، قديم، مكتوب على جانبه بخط ، و بوضوح ممل: نفايات بشرية – براز – غائط – محطة معالجة. فضلات بشرية، لم تعد لها حاجة، ولا أسماء، ولا وجوه، ولا قصصًا تُروى. مجرد ما تبقى بعد أن انتهى الاستعمال.

      لم يرَ الصهريج إلا متأخرًا. ضغط المكابح ولم تستجب . الاصطدام لم يكن بطوليًا. لا موسيقى، ولا صراخ، ولا طبل . فقط توقف مفاجئ لكل شيء. الاصطدام لم يكن دراميًا. لم تستجب لم تنفجر السيارة، ولم تتوقف السماء. فقط صوت ارتطام معدن، ثم صمت كثيف.

عندما وصلوا إليه، كان جسده عالقًا بين سيارته والصهريج. يسبح في بركة غائط ، عشرة أمتار مكعبة من الغائط. لا أحد استطاع أن يقول بدقة أين ينتهي هو وأين تبدأ البقايا التي كان الصهريج يحملها. عندما فتحوا المكان، لم يكن المشهد معقدًا: رجل مصاب بتصادم مباشر مع ما قضى حياته يخلّفه خلفه.

احتاج رجال الدفاع المدني لعشرة صهاريج، ذات اللون الأخضر. كل صهريج سعة عشرة أمتار مكعبة  من الماء الصالح للشرب، لغسله من البراز.

في التقرير، كتب مدير الدفاع المدني ببرود: حادث مروري مع حمولة عضوية، و تعذر الفصل بين الضحية والمحتويات المنقولة.”

تم نقل يهوذا  إلى المستشفى، وبقي فيه ثلاثة أشهر، خرج بعدها على كرسي متحرك بلون أصفر باهت، و رقبته مائلة نحو اليمين، و استعمال فوط صحية الحجم  العائلي الكبير مدى الحياة. ولأول مرة في حياته، عرف أن النذالة تربح يومًا، لكنها تُفلس عمرًا.

لم يُظلم في الحادثة، لم يُعاقَب أيضًا. لكنه للمرة الأولى في حياته لم يعد مميزًا، ولا ذكيًا، ولا فوق أحد.

اصبح بقايا نذل، فلم تكن ضرورية. فالعدالة هنا لم تأتِ كعقاب، بل كتشبيه أخير. اصطدام بنسخته الصادقة.

 

 

Leave a Comment