تُعَدّ سورةُ الفلق من السور المكيّة القصيرة ذات البنية البلاغية المتكاثفة، و المتماسكة، التي تجمع بين الإيجاز والإيقاع والتصوير. فهي تجمع أربع صور للشرور الخفيّة في صياغة موجزة ودقيقة، ما يجعلها من أروع النماذج التطبيقية لبلاغة الإيجاز والنظم وتقابل الصور. يعطي سياق السورة نسقًا وسطيًا بين الوحي والعبد. السورة تُعلّمنا الاستعاذة بالله من هذه الشرور.
**
﴿قُلْ أَعُوذُ بِرَبِّ الْفَلَقِ﴾
تبدأ السورة بفعل الأمر قُلْ . يخاطب رب العزة نبينا محمد صلى الله عليه وسلم بأن يستجير بربّ الفلق، رب الخلق كله ، وأن يلْتَجِئُ إِلَى اللَّهِ ويتحصّن ويعْتَصِمُ برب الفلق. ونحن نلجأ إلى خالقنا سبحانه و تعالى و نتحصن بقدرته من شر يلم بنا. هو إعلان بأنّ هذا الدعاء ليس تجربة فردية، لتؤكد أن الدعاء تعليم إلهي. الله يأمر النبي بأن يعلّم الأمة صيغة الاستعاذة نفسها، وتوجيهٌ للعبد نحو طريق النجاة.
أَعُوذُ: صيغة المضارع تدل على الاستمرار والتجدّد، والحاجة المتكرّرة ، وهو ما يناسب طبيعة الشرور التي تتكرر على الإنسان. يحمل صورة العوذ عند العرب: الإنسان يلوذ الاحتماء بجبل أو شيء قويّ عند الخطر، ولمرة واحدة. بينما الاعتصام بالله ، والإحتماء به، ، بل عادة وحماية دائمة. أن الاستعاذة ليست حدثًا، بل حالة وجودية وحماية دائمة.
بِرَبِّ: تقديم كلمة ربّ قبل ذكر كلمة الفلق يمنح السورة جوّ الرعاية والحماية، والطمأنينة. اختيار لفظ ربّ بدل الله يوحي بالـتربية واللطف، والتدبير، والاستصلاح ، لا مجرد العظمة . الربّ هوالمالك، السيّد، المربّي، القيّم، ويختلف عن إله أو خالق من جهة الدلالة على الرعاية المباشرة، وهو المقصود في مقام الاستعاذة. اسم يدل على التدبير والإنشاء والإنماء.
الْفَلَقِ: من الجذر( ف ل ق) من أبلغ كلمات السورة. فيها لفظٌ ذو جرس قوي، حروفه فيها انفجار، يخلق إيقاعًا يوحي بالفعل نفسه. والفلق في اللغة العربية يعني ” التجلّي بعد استتار”. وهذا يتناسب مع طبيعة الشرور المذكورة في السورة، فهي خفية مستترة في ظلام دامس.
إن الجذر يدل على “إبانةِ شيءٍ من شيء”، وهو معنى يشي بالحركة والظهور بعد خفاء. الفاء واللام والقاف أصلٌ صحيح يدلّ على انصداعٍ في شيء، وظهور ما كان مستورًا فيه. ويُقال” فَلَقَ الشيءَ” أي شقَّه نصفين أو أظهر ما كان مختفيًا فيه. يسميه البلاغيون “محاكاة الأصوات للمعاني “، حيث يتوافق الصوت مع المعنى. واستعمل العرب كلمة “الفلق” في وصف القمر عند طلوعه كأنه يشقّ الظلام.
و فَلْق الرأس، ضربه حتى انشق.
لذلك قال تعالى ” بِرَبِّ الْفَلَقِ ” ، ولم يقل “رب الصبح”، أو” رب النور”. و لفظ الفلق أوقع من لفظ الصبح، لأنّ الصبح اسمٌ ساكن، والفلق حركةٌ وديناميّة انفراج. وهذا البعد الحركي هو الذي تبني السورة عليه بناءها التصويري. إظهار الباطن، لأنّ الإنسان عندما يفلق الشيء يظهر ما كان داخله “اخرجني من ضيقي كما تُخرج كلّ موجودٍ من سرّه“.
الفلق في أصله شقّ يُظهر المستور. وكلّ ما انفلق وانشقّ كالخلق من بعد عدم، والانهدام إلى ظهور. واختيارالفلق دون غيره يجعل السورة قائمة على صورة الشقّ والانكشاف، ومناسب للشرور الخفيّة ، فلكل خفاءٍ فلقٌ يبدّده. واللفظ يحمل صورة حركة، لا صورة ثبات، نور يشقّ السواد.
الفلق هو الصبح ،ومنه قول العرب” الفجر فَلَق”، أي أنه يشقّ ظلمة الليل بضوئه. يقال فلق الشيء: أي إبانة بعضه عن بعض. ﴿فانفلق فكان كل فرق كالطود العظيم﴾ (الشعراء-63). بفلقه الإصباح لهم، فكل ما انفلق عن شي مِنْ حَيَوَانٍ وَصُبْحٍ وَحَبٍّ وَنَوًى وَمَاءٍ فَهُوَ فلق، وإخراج النبات والغِراس من الحب والنوى.
الاستعاذة بـ” بِرَبِّ الْفَلَقِ ” تعني: الإلتجاء إلى ربّ الخلق كله، رب الانكشاف بعد الإستتار. وهو أنسبُ ما يُستعاذ به من الشرور المذكورة، لأنها كلّها شرور ذات طبيعة خفيّة، والرغبة بالخروج من الضيق. أي ربّ كلّ ما انفلق وظهر إلى الوجود. فالذي يُدبّر الفلق ويُخرج الأشياء من خفائها هو الأليق بالاستعاذة.
وورد في الأذكار” أَصْـبَحْنا وَأَصْـبَحَ المُـلْكُ لله”. حين يثب النهار من سجن الليل، النهار هو الوقت الذي تكون فيه الشمس فوق الأفق وتوفر الضوء للأرض. خلال النهار، يكون كل مكان مشرقًا مع درجات حرارة دافئة.
تتجلى روعة الآية بأنها بداية لانبلاج الصباح والنور من العتمة والظلام. ﴿ وَاللَّيْلِ إِذَا عَسْعَسَ وَالصُّبْحِ إِذَا تَنَفَّسَ﴾ (التكوير17-18 ). فاذا كان الفلق جبّ في جهنم مغطًّى إذا فُتح صاح جميع أهل النار من شدّة حرّه. فالذين في الجب هم في ظلام دامس لا يرون نور النهار أبدا. وتأتي كلمة الفلق في سورة الأنعام، يقول تعالى: ”فَالِقُ الْإِصْبَاحِ وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا وَالشَّمْسَ وَالْقَمَرَ حُسْبَانًا ۚ ذَٰلِكَ تَقْدِيرُ الْعَزِيزِ الْعَلِيمِ” ( الانعام-96).
الاستعاذة بربّ اللحظة التي ينشقّ فيها الظلام توحي أنّ الشرّ الذي تُستعاذ منه أشبه بالظلمة، وأنّ الله يمزّقها كما يمزّق ضوء الفجر سواد الليل. كأنّ المستعيذ يقول: يا ربّ، أنت الذي تُخرج الأشياء من ضيقها، و تُخرج النبتة من قشرة حبّتها، وتُخرج الماء من الحجر، وتُخرج الصبح من الليل.
**
يشير الفلق في علم الفضاء غالباً إلى ظاهرة الشفق القطبي (Aurora) التي هي عبارة عن أضواء ملونة مبهرة في السماء، تحدث نتيجة تصادم الجسيمات المشحونة من الشمس (الرياح الشمسية) مع المجال المغناطيسي للأرض، مُطلقةً طاقة على شكل أضواء زاهية في مناطق القطبين، ويُمكن أن يظهر في سماء أماكن أبعد بسبب العواصف الشمسية القوية.
**
فالق الحب والنوى
يقول تعالى: ﴿ إِنَّ اللَّهَ فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَىٰ ۖ يُخْرِجُ الْحَيَّ مِنَ الْمَيِّتِ وَمُخْرِجُ الْمَيِّتِ مِنَ الْحَيِّ ۚ ذَٰلِكُمُ اللَّهُ ۖ فَأَنَّىٰ تُؤْفَكُونَ ﴾ (الأنعام-95). فالق الحبّ والنوى ، الشاقّ لهما ليخرج منهما النبات. هو لحظةٌ فاصلة بين غيابٍ وحضور، وبين عتمةٍ ونور.
عند الزراعة نقوم ببذر الحب ومن ثم حرث الأرض لتغطية البذور بالتربة. وماذا يحصل لو لم نغطي البذور بالتربة؟ الجواب بكل بساطة لن يكون هناك محصول. سوف تتعرض إلى تهديدات خارجية مثل الطيور والحشرات والآفات الأخرى التي قد تأكل البذور، بالإضافة إلى الظروف الجوية القاسية مثل الرياح القوية أو الأمطار الغزيرة التي قد تجرفها.
تعمل التربة كحاجز وقائي ضد هذه العوامل، و تساعد في الحفاظ على رطوبة البذور بتقليل التبخر. تحتاج البذور إلى إمداد مستمر من الماء لتحفيز عملية الإنبات، وتوفر التربة مستقرًا للجذور الناشئة لتثبت نفسها بقوة.
هذا يسمح للشتلة الصغيرة بالوقوف منتصبة، وامتصاص الماء والمغذيات بفعالية، وتحمّل الاضطرابات البيئية . تحتاج العديد من البذور إلى الظلام لتنبت بشكل صحيح. تغطيتها بالتربة تحجب الضوء وتُهيئ الظروف المظلمة اللازمة لبدء عملية الإنبات.
عند زراعتنا للنباتات تكون البذور في ظلمة تحت التراب، وتنفلق وهي في الظلمة ، وكل نواة لها فترة حضانة خاصة بها، وعندما تنتهي فترة الحضانة تخرج فوق التراب فتكون زينة للناظرين. والنباتات تحتاج ضوء النهار حتى تقوم بعملية التمثيل الضوئي. ربّ الحبّة حين تتفلّق تحت التراب فتنبض خضرة.أي إعجازا أروع من هذا الإعجاز. واستُعملت الكلمة للدلالة على المطر الشديد لأنه يفلِق الأرض أي يشقّها فتخضرّ.
**
فالق الحجارة الصماء
استُعملت كلمة الفلق للدلالة على الصخرة العظيمة، لأنها تُشَقّ أو تُشقُّ غيرها. وعلى المكان المنفلق بين جبلين كالممرّ أو الشِّعب.
ويفلق الله عز وجل الحجارة الصماء ليخرج لنا الماء من بين ظلماتها. ﴿وَإِنَّ مِنَ الْحِجَارَةِ لَمَا يَتَفَجَّرُ مِنْهُ الْأَنْهَارُ ۚ وَإِنَّ مِنْهَا لَمَا يَشَّقَّقُ فَيَخْرُجُ مِنْهُ الْمَاءُ ﴾ ( البقرة-74). وكل كائن يدبي على وجه الأرض يحتاج للماء. ﴿وَجَعَلْنَا مِنَ الْمَاءِ كُلَّ شَيْءٍ حَيٍّ﴾ ( الأنبياء-30). فالق االصخور الصمّاء ويخرج منها الماء:، يخرج من مكان غير مرئي لنا، من قلبٍ لا يسمع ولا يشعر. من ظلمات الصخر ، يتدفق الماء رمز الخصب والرحمة، وخروجه من حجرٍ صلب يرمز إلى القدرة الخارقة لرب الناس . ومُفيضُ الندى من جوف اليباس. يفلق القلوب القاسية ويُخرج منها رحمة كانت مدفونة.
فالق الحجارة الصمّاء استعارة تمثّل “قدرة الفاعل على شقّ ما لا يُشقّ”. فلا يعجزه شيء في الأرض ولا في السماء. فالق الحجارة الصمّاء، فهل ” رب الفلق “عاجز عن فلق البيضة فيخرج ما فيها!.
الإيمان بأن الحياة قد تنبع من أشدّ المواضع يأسًا. ربّ الماء حين يشقّ الحجر فيتفجّر، وربّ النفس حين تخرج من ضيقها إلى سعة الرجاء، وربّ القلب حين ينفتح بعد انغلاق، ويُشرق بعد طول غيم. كأنّ الله يقول للإنسان:” التجئ إلى ربّ النور الذي يشقّ الظلام، فيكشف عنك الشرور كلّها”.