بطولة الأم عليا الضمور
بطولة الأم عليا الضمور ليست بطولةً عابرة ولا صاخبة.هي بطولة صامتة، تُمارَس كل يوم دون شهود، ودون أوسمة. عليا لم تقف على منصة، بل وقفت في وجه التعب، والخوف، وضيق الحال. لم تحمل سلاحًا،
بل حملت العبء كاملًا… ومشت. بطولتها أنها لم تنهَر حين كان الانهيار أسهل. وأنها اختارت الاستمرار حين لم يعد الاستمرار مغريًا.
أنها ربّت، وحمت، وضمّدت، و على حساب نفسها.
هذه بطولة الأمهات: أن يصنعن الحياة من القلق،والأمان من القلّة، والأمل من الإرهاق.
وصل الشيخ قاسم الأحمد من فلسطين، عام 1834 م، دخيلا إلى مضارب الشيخ إبراهيم الضمور، شيخ مشايخ محافظة الكرك. وكان سبب اللجوء ، بطش ابراهيم باشا في فلسطين أيام الحكم العثماني.
وصل جيش ابراهيم باشا إلى الكرك وأرسل إلى الشيخ إبراهيم يُـخيِّـره بين تسليم دخيله القاسم أو احراق ولديه (علي وسيد) الذين أسرهما عسكره خارج أسوار الكرك.
لم يطلب الشيخ ابراهيم منهم أن يمهلوه إلى صباح الغد، ليتشاور مع أهله، ويخبرهم بنتيجة الإجتماع.
ويسجل هنا دور زوجة الشيخ ابراهيم الحرة عليا أم البطلين ، لم ترفع صوتها، لكن الكلمة كانت أعلى من الصراخ، حيث صاحت أمام هذا التهديد بحرق أولادها ، وقالت: ” النار ولا العار يا إبراهيم، الأولاد يعوّضنا الله عنهم، أمّا العار فلا يزول”. قالتها عليا، فارتجّ المكان كما لو أنّ الجبال سمعت. لم تكن كلمات، بل قَسَمًا يُلقى في وجه القدر. جعل صوت الأم أعلى وتغييـب صوت الرجال. في تلك اللحظة، لم يكن الرجال سوى صدى. القرار وُلد في فمها، واكتمل هناك. في تلك اللحظة، لم تكن عليا زوجة شيخ، بل ميزان الشرف نفسه؛ وبكلمتها، اشتعل الطريق.
خرجت الكلمات منها ببرودٍ مخيف، لا رعشة فيه ولا استعطاف. لم يكن ذلك صبرًا، بل حسمًا. كأنها، في تلك اللحظة، نزعت الأمومة عن كونها ضعفًا، وأعادتها إلى أصلها الأول: “مسؤولية الكرامة”.
عليا انسحبت إلى الداخل، لا هزيمة في خطوتها، ولا ندم في وجهها. كانت قد قالت ما يجب، وانتهى دورها عند الحدّ الذي يبدأ فيه الآخرون تنفيذ الكلمة. لم تبكِ، ولم تلتفت. كانت تعرف أن بعض الكلمات، متى قيلت، لا تعود إلى أصحابها… بل تمشي وحدها.
ما إن وصلت كلماتها إلى الشيخ إبراهيم الضمور، نهض كمن استُدعيت دماؤه باسمه. نادى القوم بصوتٍ لا يعرف التردّد ، فانقادت الأقدام قبل العقول، وأعلن الطلب لا تراجع فيه “العار لا يبيت، والكرامة لا تُساوَم”.
لم يكن النداء اندفاعًا، بل وفاءً لكلمة امرأة جعلت الكرامة أثقل من الفقد، وأقدس من الحياة نفسها، البطولة لم تكن في النداء، بل في الجملة التي جعلت كل النداءات لاحقة لها، لا سابقة عليها. عمّ الصمت لحظةً قصيرة، ذلك الصمت الذي يسبق الفعل. تبادل الرجال نظراتٍ حاسمة، لا أسئلة فيها.
وطلب الشيخ ابراهيم الضمور : ” أن يجمعوا له رزمة من حطب وأرسلوها إلى ابراهيم باشا الذي لايعرف أن الوفاء بالعهد من شيم الرجال واقذفوا بها بين يديه وقولوا له: ليس إبراهيم الضمور من يُسلـِّـم الدخيل “، اشتعل الحقد في قلب ابراهيم باشا فأوقد نارا وقذف بها الشقيقين علي ثمَّ سيِّـد على مرأى من الوالدين المفجوعين بفلذتي الكبد.
لم تكن بطولة عليا الضمور في ما حدث بعد الكلمة، بل في أنها قالت ما لا يُقال.