الجزء الأول / الطغاة والدكتاتوريون عبر التاريخ

الجزء الأول/ الطغاة والدكتاتوريون عبر التاريخ

 بداية

يعرّف أستاذ الفلسفة المصري، إمام عبد الفتاح إمام، في كتابه المعنون “الطاغية”، حيث يقول: الطاغية “رجل يصل إلى الحكم بطريق غير مشروع، فيمكن أن يكون قد اغتصب الحكم بالمؤامرات، أو الاغتيالات، أو القهر، أو الغلبة. باختصار هو شخص لم يكن من حقه أن يحكم لو سارت الأمور سيراً طبيعياً لكنه قفز إلى الحكم عن غير طريق شرعي، وهو لهذا يتحكم في شؤون الناس بإرادته لا بإرادتهم، ويحاكمهم بهواه لا بشريعتهم، ويعلم أنه غاصب ومعتد فيضع كعب رجله في أفواه ملايين الناس لسدها عن النطق بالحق، أو التداعي للمطالبة به”.

تواتيهم الظروف وتسعفهم الأقدار، فيقطعون الأرض طولًا وعرضًا، وشرقًا وغربًا، فيخربون ويدمرون، وينكلون بمن يقف في سبيلهم، أو تحدثه نفسه بصدهم، قد جردوا من ضمير مؤنب، أو وجدان مشفق، تلذهم الدماء كما يلذ الأكل الشهي النهم الأكول، أو كما يلذ الماء الزلال الظامئ الصادي، كأن بينهم وبين الإنسانية ثأرًا، فلا يهدأون حتى يقضوا عليها، ويطووا صحيفتها، وهم مع هذا كله يعتقدون أن العناية الإلهية أرسلتهم ليدفعوا الظلم، وينشروا في الأرض راية العدل! وويل للإنسان من العقل، فهو قدير أن يسمي أقسى الظلم غاية العدل، وأن يسمي التخريب تعميرًا، وأن يسمي الوحشية إنسانية، وهو في كل ذلك يجد المنطق الذي يخدمه، والبرهان الذي يؤيده. وفق لتأريخ لكل الطغاة فانهم لا يخضعون للمساءلة او المحاسبة وبأنهم المرجعية بقانون أو دستور البلاد، بل تصبح إرادته هي القانون الذي يحكم، وبأن على الشعب الطاعة العمياء. يتخذ الطغاة قرارات أحادية الجانب تؤثر على بلدانهم دون الحاجة إلى استشارة أي فرع آخر من فروع الحكومة.

 انقسم المجتمع القبيل والحضري إلى قسمين: أحرار وعبيد، وانقسم الأحرار إلى قسمين: أسياد وأحرار عاديين. وكان الأسياد هم القادة لشعوبهم، ووضعوا هالات من القداسة على نسبهم وبأنهم أبناء الآلهة المقدسة كما هو حال فرعون عندما ادعى بأنه ينتمي إلى الإله آمون وجميع أعماله هي لإرضاء الآلهة وخدمة الشعب. ويعتبر فرعون بأنه الأنموذج المثالي لكل طاغية مر عبر التاريخ، كما هو إبليس مثالا لكل الشياطين.

هل الطغاة من طبيعة البشر

يقول  الكواكبي :” إنه ما من مستبد سياسي إلا ويتخذ لنفسه صفة قدسية يشارك بها الله! .« هو يحكم بتفويض مباشر أو غير مباشر من الله. أنه مبعوث العناية الإلهية “. لابد أن يكون الطغاة من طبيعة غير طبيعة البشر  هكذا تصور القدماء الحاكم من طبيعة إلهية  فهو إله على الأرض أو هو ابن الإله !. ومن هنا جاء سمو إرادته  فهي سامية لأنها إرادة إلهية عليا  ثم تدرج الأمر بعد ذلك إلى أن الله يختار الحاكم اختيارا مباشرا ليمارس السلطة باسمه على الأرض، فهو على أقل تقدير »لا يُسْـَٔلُ عَمَّا يَفْعَلُ وَهُمْ يُسْـَٔلُونَ«   (الأنبياء-23).  وهذا ما فعله جميع الطغاة على مدار التاريخ!. فهو يسمو على الطبيعة البشرية وبالتالي تسمو إرادته على إرادة المحكومين إذ هو منفذ للمشيئة الإلهية. هذه الشخصية الإلهية تتمتع بعلم إلهي أيضا فلا تخفى عليه خافية. يقول كبير الوزراء »إن جلالته عليم بكل شيء ” . إن كل ما يتفوه به صاحب الجلالة يجب أن ينفذ  بل لابد أن يتحقق فورا  ذلك لأن مشيئة الملك وإرادته هي القانون  ولها ما للعقيدة الدينية من قوة وشكيمة فهو يعمل ما يجب.

كان أفلاطون من أوائل الفلاسفة  وأكثرهم انشغالا في معالجة مشكلة الطغاة والدكتاتورية والاستبداد. وذكر بأن الدول الديمقراطية مقدر لها أن تنهار في طغيان. لم يكن أفلاطون من محبي الديمقراطية ، ربما لأن الديمقراطية الأثينية هي التي حكمت بالاعدام  على معلمه سقراط، وماهي التهمة التي أعدم بسببها سقراط؟! تلويث عقول شبيبة أثينا بأفكاره! ولا يختلف الحال على ما نحن عليه اليوم،الحكم بالإعدام على شباب بتهمة الإنتماء وتبني أفكار تكفيرية رجعية، أو أفكار تخلخل نسيج المجتمع، أو الاعتقال على النيّة ، أو اراء لا توافق الحاكم، أوأقلّها، هي إطالة اللسان. كان افلاطون  يعتقد أن الأشكال الديمقراطية للحكم تخلق جماهير فاسدة وغير منضبطة تكون فريسة سهلة للسياسيين الذين يغريون الجماهير بوعود غير صحيحة بدلاً من تغذية الصالح العام.

لم يجد محبوا الديموقراطية أيّة إيجابيات ، قليلة أو كثيرة، ناتجة عن حكم الطغاة. فما قيمة هذه الإيجابيات إذا كان ثمنها تدمير المكان والإنسان وتحطيم القيم   التي نشأ عليها المجتمع، وتحويل الشعب إلى جماجم وهياكل عظمية تسير في الشارع منزوعة النخاع ، شخصيات منزوعة التفكير،  تطحنها المشاعر الدنيوية  والعجز واللاجدوى? لأن الثمن باهظ جدا: ضياع الإنسان!.هكذا كان الحاكم في الشرق القديم بل والوسيط والحديث.

 يعتقد  المعلم الأول”ارسطو أن لدى الشرقيين والشعوب الآسيوية عموما) طبيعة العبيد ،وأنهم لهذا السبب يتحملون حكم الطغاة بغير شكوى أو تذمر!. تأليه الحاكم أو الملك أو الإمبراطور صناعة شرقية محلية فحسب! ولهذا شهد الشرق أسوأ أنواع الطغيان، وكان النموذج الأعلى للطغيان. ويصف أرسطو الطاغية بأنه” سيد يعامل رعاياه معاملة العبيد”.

 

Leave a Comment